Monday, December 1, 2008

هل حقا لا بديل للنظام الرأسمالي
أوهام وأباطيل الصياغات المضللة للخطاب الغربي
د.عباس محمد حسن
ان عملية تفكيك الأشكاليات التي يأسرنا فيها مفكروا النظام الرأسمالي ونقد وفضح الصياغات المضللة للخطاب الغربي ومايحمله من تعتيم وتعمية وتلاعب هو رفع لحالة الحصار الفكري والحضاري والعقلاني الذي تحاول ان تضعنا فيه .
يكشف البرفيسور رالف ميليباند استاذ العلوم السياسية بجامعة ليدز (بريطانية ) وجامعة يورك (كندا ) في كتابه " الاشتراكية لعصر شكاك " عن الكثير من اوهام واباطيل ومغالطات مفكري النظام الراسمالي التي روجوا لها حتي اختلطت الحقائق بالاكاذيب وتزعزعت المفاهيم ..وتساءل : هل حقا لا بديل للنظام الراسمالي ؟ وهل حقا تكمن مفخرة الديمقراطية في طبيعة النظام الراسمالي ؟ وما مدي صحة خطر التدخل الحكومي علي حرية السوق ؟ وهل هناك جدوي من ممارسة التخطيط الاقتصادي ؟ وما مدي حرية وسائل الاتصال والاقناع ؟؟ نلخص اجابات رالف ميليباند عن كل هذا في الآتي :
أولا : منطق رأس المال :
ان نظاما اجتماعيا يخضع الي منطق رأس المال والمنافسة رغم كل الأيجابيات التي تذكر له يظل عاجزا عن خلق الظروف المواتية للمواطنة الحقة وروح الجماعة " فإن شروراً عديدة متأصلة في النظام الرأسمالي وتشكل سماته الأساسية لا يجدي معها إصلاح أو تحسين – فالرأسمالية هي النظام الذي يملك فيه القطاع الخاص ويسيطر على الجزء الأكبر من وسائل النشاط الاقتصادي ، الصناعي، التجاري، المالي ووسائل الاتصال والإعلام ويكون المحرك الأساسي لهذه الفعاليات والهدف الذي يفوق كثيراً كل الاعتبارات هو جنى الأرباح الخاصة من عمل مأجور لشغيله مستقلين شكلياً وبالرغم من نجاح الرأسمالية الاستثنائي كنظام للإنتاج إلا أن مقتل هذه الطاقة الإنتاجية العظيمة للرأسمالية يكمن في عدم قدرتها على الاستخدام الأنفع للموارد التي أنتجتها ولا تزال تنتجها ويبقي التناقض جوهرياً بين الوعد الذي يحمله التطور الهائل لقوى الإنتاج من جهة وبين الواقع اليومي الذي يواجهه العاملون بأجور من جهة أخري. لقد خلقت الرأسمالية لأول مرة في تاريخ البشرية ما يمكن أن نسميه " مجتمع الوفرة " ومع ذلك فإن الملايين في هذه المجتمعات الرأسمالية يعانون من الفقر و المهانة والأمراض والتشرد والفساد واليأس ولا يوجد أي مؤشر إلي إمكانية التخلص منها ضمن نظام غايتة الأساسية هي تحقيق الأرباح الخاصة بل على العكس نجد أن الظروف المعيشية لأقليات كبيرة من سكان " مجتمع الوفرة " قد أصبحت أسوأ مما كانت عليه بدل أن تتحسن فهم يسمعون في تبجح صاخب " بمجتمع المستهلك " ولكنهم يعرفون أنهم مستبعدون منه !!! وفي ظل هذا اليأس والسخط والمستقبل القاتم تتشكل التربة الخصبة لنمو الإدمان على المخدرات والجريمة والعنصرية فحسب الإحصائيات البريطانية فإن حوالي ثلث الشبان وخاصة الاكثرهم فقراً في سجلهم أحكام جرمية وان حوالي ربع الشبان السود في الولايات المتحدة الذين في سن العشرينات إما في السجن أو مطلق سراحهم بكفالة أو أنهم تحت الاختبار ( أنظر دوقلاس هاي ) . صحيح أن هناك تحسن قد طرأ على ظروف الحياة اليومية للمأجورين الذين لديهم عمل فقد تحسنت شروط السكن وإمكانية امتلاك المساكن ووفرة الدخل ومساهمة الزوجات مع الأزواج في تكوين دخل العائلة والقدرة على شراء السلع المعمرة وتمضية الإجازة في بلدان أجنبية ولكن الحقائق الجوهرية الأخرى حول حالة العمال المأجورين تبين لنا بوضوح حقيقة أنهم يعيشون دوماً تحت خطر البطالة مع ما في ذلك من حرمان وأذي وأن عليهم خوض صراع دائم من أجل الحفاظ على مستوي دخلهم وظروف عملهم وأن أعداداً كبيرة منهم وخاصة النساء يتقاضون أجوراً متدنية بشكل ميئوس وغالباً تحت ظروف عمل سيئة للغاية وفي حين تتحسن الخدمات الخاصة التي تعتمد على القدرة على دفع نفقاتها والتي لا يستطيعها إلا بعض الناس فإن الخدمات العامة التي يقدر على دفع نفقاتها الغالبية العظمي من الناس تتردي وتتراجع فلا يملك هؤلاء إلا أن يرضوا بمستوياتها المتدنية . أن هراء الحديث عن الطبقة العاملة"المرفهة" وانحسار أهمية التقسيمات الطبقية تكذبه عدم المساواة العميق فيما يخص توزيع الثروة والعمل والدخل والسكن والتعليم والفرص المتاحة.
إن التحليل المفصل للبنية الطبقية للبلدان الرأسمالية تبين بوضوح انقسام المجتمع بين طبقة مسيطرة صغيرة نسبياً من جهة وطبقات خاضعة تشكل الأغلبية الساحقة من جهة أخري . وفي أعلي مستويات الهرم الاجتماعي لذلك الجزء الصغير المسيطر تتربع نخبتها التي تملك وتسيطر على " القمم الاستراتيجية " للاقتصاد وعلى الجهاز المركزي للدولة ويملكون وسائل إعلام القطاع الخاص الرئيسية ويديرونها ويتمتعون بقدر هائل من السلطة والنفوذ والثروة حيث يملك 10 % من السكان في بريطانيا مثلاً 50 % من ثروة البلاد برمتها وأن 25 % من السكان يملكون 71 % من الثروة وبكلمة أخري على 75 % من أفراد الشعب أن يتدبروا أمرهم بما تبقي من الثروة ( 29 % ) ( أنظر إحصائيات عام 1993 م في فجوة العدالة) هذه الحالة غير المتكافئة لتوزيع الثروات موجودة في جميع البلدان الرأسمالية. كما تنشأ علاقة مهمة بين أصحاب الشركات وجهاز الدولة حيث تعتمد المصالح القومية والأمن القومي وغيرها من اهتمامات جهاز الدولة على عافبة الاقتصاد ويتأثر ذلك في الاقتصادات الرأسمالية بالثقة الممنوحة للحكومة من قبل رجال الأعمال وأصحاب الشركات .
وقد كانت رعاية هذه الثقة دوماً عاملاً ضرورياً وحاسماً في رسم سياسات الحكومات وافعالها
هناك طمس متعمد لكلمة الطبقة العاملة في اللغة السياسية يخالف الواقع . فلا شك إن الطبقة العاملة الصناعية في الدول الرأسمالية المتقدمة أصبحت أقل عدداً مما كانت عليه ولكن المستخدمين في القطاعات الإدارية والخدماتية الدنيا وغيرهم يعدون جميعاً عمالاً مأجورين وجزءاً من الطبقة العاملة كما أن تعبير " طبقة عاملة " يؤخذ بشكل عام للدلالة على المفهوم القديم أو التقليدي للطبقة العاملة الصناعية لذلك قد يكون تعبير "طبقة المأجورين " هو الأفضل للاستخدام . ولو جمعنا العاملين في الصناعة والوظائف الإدارية الدنيا والخدمات معاً بالإضافة إلي من يعولونهم فإنهم يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البلدان الرأسمالية وأن العلاقة بين طبقة المأجورين والطبقة المسيطرة هي علاقة تضارب مصالح متأصل تكمن أسبابه في طبيعة تكوين النظام الرأسمالي وجوهره حيث يقع هذا التضارب في عمق عملية الإنتاج والعلاقة بين صاحب العمل من جهة والعمال المأجورين من جهة أخري . فبينما تسير الطبقة المسيطرة مدفوعة بواسطة قوانين التنافس الصلبة هادفة إلي الحصول على أكبر قدر ممكن من الفائض من عمالها يطمح العمال بقدر ما يستطيعون إلي تحسين أجورهم وساعات عملهم وشروط هذا العمل . ومهما تم من تخفيف لهذا النزاع ومحاولة للتعاون بين الطبقتين حتى لا تصاب عملية الإنتاج بضرر قاتل ولكن يبقي هذا التضارب جزءاً لا يتجزأ من النظام بل يمتد هذا التضارب أو التناقض بين رأس المال والعمل من قضايا الأجور وشروط العمل وساعات العمل إلي قضايا حقوق العمال المأجورين في عملية الإنتاج والحقوق النقابية بما فيها شروط الاضرابات والحقوق المدنية والسياسية بشكل عام وقضايا مستوى وسعة الخدمات الاجتماعية والخدمات العامة ومسألة الضرائب وأنظمة وقوانين العمل والبني القائمة للسلطة والامتيازات .. الخ.
وينطلق صراع دائم بين القوتين حول جميع هذه القضايا .. وتختلف حدة هذه الصراعات والمواجهات حسب الأمكنة والظروف ولكن يستحيل القضاء المبرم عليها ولابد من الإشارة إلي أن الدولة الرأسمالية لا تقف موقف الحياد بين رأس المال والعمال المأجورين في أي حال من الأحوال بل تنحاز بالكامل إلي الطبقة المسيطرة أي إلي رأس المال وذلك بالرغم من ادعائها الدائم للحياد وأن ما يحركها هو الحرص على المصالح القومية وكأنما يميل أولئك الذين يديرون الدولة إلي الاعتقاد بأن المصالح القومية أو الصالح العام ومصالح رأس المال تتفق بشكل كامل .
وقد يشيع كثير من المعلقين أن كثيراً من الصراعات الحادة في المجتمعات الرأسمالية لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالصراع بين رأس المال والعمل وإنما كانت مسبباتها مرتبطة بالاضطهاد والتفرقة الجنسية والعنصرية والفوارق القومية والدينية وبالأستياء العام لجيل الشباب وباهتمامات عدد لا نهائي من جماعات الضغط ( اللوبيات) حيث حدث الكثير من هذه الصراعات داخل الطبقة الواحدة وشملت عمالاً في مواجهة عمال آخرين انقسموا على أنفسهم على أساس الجنس والعرق والدين والقومية .. الخ . ولكن هؤلاء ينسون أن واحداً من الأسباب الرئيسية للصراعات داخل الطبقة الواحدة بين العمال على أساس العرق أو الجنس أو القومية أو الدين هو الإحساس بعدم الأمان والخوف من المنافسة على فرص العمل بقبول أجور أقل من قبل النساء أو العمال المهاجرين وغيرهم ، في مجتمعات من أهم صفاتها المميزة عدم الاطمئنان على فرصة العمل والصراع الدائم للحفاظ على ظروف العمل أو تحسينها ومهما كانت درجة التشويش والمد والجذر في الحياة السياسية للمجتمعات الرأسمالية ومهما كانت درجة الخداع والحيل التي يمارسها رجال السياسة فيما بينهم من أجل المنصب والسلطة ومهما بدت وقائع الفضائح والآثام لبعض الذين يشغلون المراكز العليا من خلال تناول الصحافة لها وكأنها أحداث منفصلة لا تمثل طبيعة النظام الاجتماعي القائم ولكن يكمن وراء هذه المشاهد نموذج ثابت هو أن السياسة والمواقف السياسية تتشكل إلي حد كبير نتيجة للصراع الدائم بين الطبقات المسيطرة والخاضعة كما يتحدد من جهة بضغوط ونضالات الطبقة التحتية ضد أشكال متنوعة من التفرقة والتشييد والحرمان والاستقلال المتزايد كما أنه يتجدد من جهة أخرى بالضغوط من الاعلي ( أي من أفراد النخبة الحاكمة والطبقة المسيطرة بشكل عام ) من أجل الحفاظ على النظام الاجتماعي الشائع الذي تعتبر التفرقة والتسيد والحرمان والاستغلال من سماته الصميمة مهما حاول الزعماء والسياسيون ومفكروهم أن يلبسوا ذلك لغة تساعد على إخفاء حقيقة طبيعة النظام الاجتماعي . هذا الصراع لا يمكن إلغاؤه أو التغلب عليه ولكن يمكن التسليم للطبقات الدنيا الخاضعة بموقفها ضمن النظام الاجتماعي القائم مقابل تنازلات معينة وذلك ما يسمي بروتنه الصراع ( أي جعله روتينياً ) ولكن هذه الروتنة غير مستقرة ولا يمكن لهذه المجتمعات تحقيق الانسجام الحقيقي .




ثانيا: الديمقراطية :
أن الدول الرأسمالية المتقدمة تتباهي بمفخرة الديمقراطية وتعتبرها من طبيعة الرأسمالية ويصر المدافعون عن النظام الرأسمالي على العلاقة الوطيدة بين الرأسمالية والحرية والديمقراطية . وهؤلاء ينسون أن الرأسمالية خلال الجزء الأكبر من تاريخها لم تكن مرتبطة بالديمقراطية بأي معنى من المعاني وأن جميع المحافظين والليبراليين المدافعين عن النظام الرأسمالي كانوا دوماً مصممين على مقاومة تقدم الشكل الديمقراطي وخاصة فيما يتعلق منه بتوسيع حق الانتخاب والكثير من التحسينات الديمقراطية الأخرى .. صحيح أن الرأسمالية احتاجت في البداية لحريات معينة من أجل أن تتطور وارتبط هذا تاريخياً بمطالبة البرجوازية بهذه الحريات من أجل كبح الاستبدادية وحماية الأفراد وخاصة الأفراد ذوي الملكيات ، حمايتهم من ابتزاز الدولة ورقابتها ورغم أهمية هذه الحريات إلا أنها أبقت سواد الشعب تحت شروط قاسية من الكبت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وكانت هذه الديمقراطية بالشكل الذي تحققت فيه ديمقراطية تقتصر على من يملك ثروة وبقيت الغالبية العظمي التي لا تملك " حصة من ثروة البلد " خارج نطاق هذه الديمقراطية ولم تتوسع ممارسة الديمقراطية والحرية الا بعد ضغط عنيف وعنيد من مصادر متنوعة أهمها الحركات العمالية واليسارية ضد قوى السيطرة والامتيازات ومع نمو الحركات العمالية وإضراب الطبقة العاملة في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر بات من الصعب الاستمرار في حرمان الأغلبية من حق المواطنة السياسية وهكذا مُنح حق الاقتراع على مضض بداية للذكور ثم أخيرا أبان القرن العشرين للنساء . لقد قاوم أصحاب الامتيازات المتمرسة عبر أوربا وأمريكا هذه الدرجة المحدودة من توسيع الديمقراطية كما استخدمت أجهزة الدولة لمجابهة ذلك تحسباً للمخاطر على الامتيازات الأرستقراطية والبرجوازية من تطبيق الديمقراطية وذلك على عكس ما يدعيه المدافعون عن النظام الرأسمالي من أنهم أكثر المدافعين عن الديمقراطية وهذا ادعاء ساعدهم على ترسيخه ومواصلته ما أعطوه من معني ضيق للديمقراطية حيث يعرفونها بأنها التنافس بين النخب السياسية من اجل الوصول إلي السلطة عن طريق الحصول على التأييد الشعبي في الانتخابات القائمة على التنافس حيث عرف الديمقراطية بأنها ترتيبات مؤسساتية للتوصل إلي قرارات سياسية يحصل الأفراد من خلالها على سلطة اتخاذ القرار عن طريق المشاركة في انتخابات قائمة على التنافس وقد أعتبر أي شئ أبعد من ذلك في سبيل صنع القرار الشعبي غير مرغوب فيه وخطيراً . صحيح أن الديمقراطية تجعل الضغط النسبي على السلطة والدولة ممكناً كما تجعل إقالة الشخصيات المنتخبة بما فيها إقالة الحكومة نفسها ممكنة أيضاً وتؤدي الانتخابات كثيراً إلي تغيير كبير في السياسة وتقود كذلك إلي تغيير موظفي الإدارة الحكومية إلا أن انعكاس كل ذلك على السياسة العامة هو عادة أضعف بكثير مما تدعيه الأحزاب السياسية في حملاتها الانتخابية .. أن المشاركة في الحياة السياسية التي تتيحها الانتخابات في أمريكا قبل استقلالها ( ويمكن قول الشئ نفسه حالياً وفي ديمقراطيات رأسمالية أخري أيضاً ) كانت صمام أمان فهي فسحة تتيح للمستضعفين الشعور بعض الوقت بأن لديهم سلطة وهم عادة محرومون منها ، سلطة نصفها سراب . وكانت كذلك بمثابة طقس لإعطاء الشرعية ، أي حق قيام العامة بتجديد موافقتهم على بنية حكم الأقلية .
كما أن الحقيقة الأخرى التي تقوض ادعاء الرأسمالية بالديمقراطية هو ما يسمي "بالحرية الاقتصادية " حيث يتمكن المتحكمون بالنفوذ الاقتصادي للشركات من اتخاذ قرارات هامة جداً تخص الحياة المحلية والإقليمية والقومية دون الرجوع إلي الجماهير التي تنعكس عليها هذه القرارات ومثال لذلك عندما يجد العمال أنفسهم يعملون عند رب عمل جديد نتيجة اندماج الشركة مع أخري دون أن يكون لهم أي رأي حول ذلك إذ لا أحد يستشير العمال المأجورين أصلاً فالديمقراطية لا تملك حق الدخول إلي قاعات اجتماع مجالس إدارات الشركات وليس لها حضور يذكر في عملية الإنتاج بشكل عام .
صحيح أنه لابد لنا من القول أن الديمقراطيات الرأسمالية أقل قسوة من الأنظمة التسلطية ولابد من تقدير ذلك تقديراً كبيراً ولكن لابد من الإشارة إلي صفة أخري من صفات الديمقراطية الرأسمالية وهي أن الحقوق التي تنادي بها مهددة دوماً بالتآكل إن لم نقل بالإلغاء الكلي . ويمكن لأصحاب النفوذ أن تضايقهم هذه الحقوق لأنها معوقة لغاياتهم فيحاولون تقليص مضامينها ومداها خاصة عندما تزداد حدة الصراعات الطبقية وأكثر الأمثلة على ذلك وضوحاً هي القيود الصارمة التي يخضع لها حق الإضراب في الديمقراطية الرأسمالية.
إن الجانب التسلطي للنظام الرأسمالي يجد انعكاساته العملية في الحياة اليومية مثل الجمود البيروقراطي الذي يعامل به المتلقون للمعونات الحكومية وطريقة التعامل مع العمال وممارسات البوليس الفظة وإنكار المسئولين لهذه الممارسات أو تبرئة أصحابها والظروف السيئة والرديئة لحياة السجون وغير ذلك.
ثالثا : وسائل الاتصال والإقناع :
يبدو من الوهلة الأولي أن خضوع وسائل الاتصال والإقناع للسيطرة المباشرة يكون في المجتمعات الشمولية وليس في المجتمعات الرأسمالية حيث تظهر الديمقراطيات الرأسمالية تنوعاً استثنائيا في إنتاج ونشر أفكار من كل نوع ممكن ولكن النظرة المتأنية تكشف بوضوح وجود سيطرة وتحكم من قبل الطبقات المسيطرة على الوسائل الأساسية للاتصال والإقناع فالآراء التي تتضارب مع آراء المسيطرين هؤلاء والآراء التي تناقض بحدة الآراء التقليدية السائدة في المجتمع الرأسمالي تواجه صعوبات ضخمة ولا حد لها حتى تتلاشي أو يتم تشويهها ولا يمثل ما نجده من نقد للمؤسسات التقليدية في وسائل الاعلام غير صيغة التهجم على بعض المقصرين من سياسيين وموظفين وشخصيات بارزة وشخصيات حكومية أو حزبية ولكن النقد الموجه يمتاز بالديماغوغية الكاذبة التي تفضلها صحف الإثارة .. ومع ذلك فيجب ألا نقلل من أهمية دور الإعلام كصوت نقدي ولكن علينا ألا نغفل عن محدوديته وأحد أهم الأسباب الهامة لهذه المحدودية هو أن العاملين في إنتاج وبث المواد الإعلامية إنما يخضعون لواحد من أكثر أشكال الرقابة فاعلية وهي الرقابة الذاتية . فالعاملون في هذا المجال يدركون جيداً ما يمكن أن يخلق لهم المشاكل مع رؤسائهم فيتفادونها سواء أكان هؤلاء يعملون في وسائل الإعلام الحكومية أو وسائل الإعلام المملوكة للقطاع الخاص . فمالكي الصحافة ومالكي الراديو والتلفزيون وغيرها يملكون في واقع الأمر سلطات واسعة يمكنهم ممارستها إذا شاؤوا على الآراء التي تعبر عنها جرائدهم وذلك لا لشئ إلا لكونهم يملكون النقود الكافية لشراء هذه الوسائل أو لأنه ورثها (يقول بي . أتش باقديكيان في كتابه The Media Monopoly : " أن المواطن الأمريكي إذ يفتح أية جريدة أو مجلة أو راديو أو تلفزيون أو كتاب أو فيلم أو محطة كيبل أو شريط فيديو أو تسجيل فأنه في الغالب يتلقى معلومات أو أفكاراً مسلية تديرها الحفنة نفسها من الشركات سواء كانت أخبارا يومية أو برنامج تسلية على الكيبل أو كتاباً ". وينطبق ذلك على وسائل الإعلام التي يملكها القطاع الخاص في جميع البلدان الرأسمالية . إن حرية الصحافة بهذا المعني هي حرية عمالقة الإعلام ووسائل الاتصال الأخرى في أن يحقنوا وسائل الاتصال التي يسيطرون عليها بتحيزهم ونزعاتهم وأفكارهم وأيدلوجياتهم فيهمشون ما يعتبرونه أفكاراً هدامة ويستخدمون وسائل الإعلام من اجل التعتيم والتعمية والأنكار للتناقض الدائم القائم بين واقع التفاوت الكبير في النفوذ والامتيازات من جهة وبين الخطاب الديمقراطي السائد من جهة أخرى ويستغلون أهم وظائف الإعلام لكسب عقول وقلوب الأغلبية عن طريق التلاعب بالمعلومات وتحريفها وحجب الحقائق غير الملائمة وفبركة الخرافات المفيدة لهم والأكاذيب السافرة ولكن لحسن الحظ فإن الجماهير تقاوم في أحيان كثيرة عملية غسيل الدماغ التي تتعرض لها .
رابعا : تدخل الدولة وحرية السوق :
الغريب في الأمر أنه يسود في السنوات الأخيرة موضة تشنيع التدخل الحكومي وتمجيد السوق وفضائله . ومع ذلك فإن اعتماد الرأسمالية على الدولة والتعويل عليها شكل أحد أوضح سمات الرأسمالية خلال تاريخها الطويل منذ بدايتها وحتى الوقت الحاضر .
فالدولة بطبيعة نفسها ، لها دور في " الحياة الاقتصادية " من خلال السياسات الخاصة بالميزانية والضرائب التي لا يمكن رسمها وتنفيذها إلا من قبلها . لكن تدخل الدولة يتجاوز ذلك بكثير لأن الدولة حتى في أكثر الأنظمة حماساً " للاقتصاد الحر " هي التي توفر للرأسمالية الحماية والمساعدة ليس فقط في المجال السياسي والقانوني والعسكري والأمني بل في المجال الاقتصادي أيضاً وذلك عن طريق الدعم المالي والإعفاءات والتعريفة الجمركية والتنازلات والامتيازات والمناولات وإنقاذ البنوك وغيرها من الشركات لمساعدة المؤسسات الرأسمالية . وكان على الدولة أن تتدخل أيضاً في الحياة الاقتصادية لحماية المجتمع من النهب الذي تمارسه الرأسمالية التي لا يمكنها الاهتمام بالتكاليف الفردية والجماعية التي يولدها منطق النظام الرأسمالي .
كان على الحكومات أن تنقذ الرأسمالية من نفسها وان تنشر من أجلها وعياً ومنطقاً يساعدها على البقاء والقوة لم تكن بقادرة لو تركت وشانها أن تنشره هي . وباختصار ظل بقاء النظام الرأسمالي يعتمد دوماً على التدخل الحكومي في الاقتصاد كما يجدر التأكيد على شدة اعتماد الرأسمالية بصفتها نظاماً للاستغلال والتحكم على سلطة القمع الذي تمارسه الدولة وكلما ازدادت الخصخصة وتقليص القطاع العام لصالح القطاع الخاص وإزالة الضوابط كلما ازدادت عيوب " الاقتصاد الحر " ومن ثم تضاعفت مسئوليات الحكومات في التدخل لتخفيف ومعالجة عيوب الرأسمالية غير الخاضعة لضوابط والتي تتمثل في التدهور الاقتصادي والإهمال الاجتماعي والمعاناة الفردية وليس أدل على ذلك من نهج حكومتي رينان وتاتشر في الولايات المتحدة وبريطانيا وآثار سياستهما الشنيعة لدوغماتية السوق .
خامسا : التخطيط والاقتصاد الحر :
وقد ساعد على انتشار فكرة التخطيط أن حكومات الغرب قد مارست فكرة التخطيط أثناء الحرب العالمية الثانية وخلال سنوات إعادة البناء التي تلتها وقد أشار إلي ذلك ستيوارد هولاند حيث قال : " في الستينات كانت جميع البلدان الأوربية الغربية ملتزمة بشكل ما من أشكال التخطيط الاقتصادي – باستثناء ألمانيا الغربية " وهو يعرف هذا التخطيط بأنه : " مكون من أهداف توجيهية ومساعدات وحوافز " .
ورغم كل خطاباتها فإن جميع حكومات البلدان الرأسمالية المتقدمة تلتزم في الواقع بدرجة معينة من درجات التخطيط مهما كان حماس هذه الحكومات لـ" الاقتصاد الحر " و" لاقتصاد السوق " ولعدم التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية . إن الحكومات مهما كانت طبيعتها مضطرة إلي تحديد أهداف لمجموعة من المشاريع التي لابد من أن تتولاها ولابد لها من تحديد الموارد اللازمة لهذه الغاية . إن خطة الدفاع مثال واضح فمن الضروري وضع خطة لتطوير وإنتاج الأسلحة والدبابات والطائرات والسفن الحربية .. الخ . تمتد هذه الخطة إلي سنوات بل عقود قادمة . ويصح القول نفسه على برامج أنشاط الطرق والمطارات وبناء المدارس والمستشفيات والسجون .. الخ . ولا يهم أن استخدمت الحكومة من أجل ذلك شركات عامة أو خاصة إلا من ناحية أن الشركات العامة يمكن محاسبتها بسهولة أكبر من محاسبة الشركات الخاصة وقلما تستغل الشركات العامة هذا العمل في تحقيق الأرباح الفاحشة التي ميزت دوماً الشركات الخاصة عند تعاملها مع الحكومة . فالحكومات الرأسمالية تهتم كثيراً بقضايا الكلفة والكفاءة ومواعيد التسليم . والحكومات هي التي يجب أن تقرر الأولويات وتقوم بالتخطيط لضمان بلوغها وعندما تهمل الحكومة هذا الالتزام تكون النتائج واضحة . ولا يمكن أن نتوقع أن يقوم السوق بالتعويض عن إهمال الحكومة . فليس من مهام الشركات الخاصة أن تقوم بمشاريع هي أصلاً من مسئوليات الحكومة ولا يمكن توقع ذلك منها فعلي الحكومة أن تخصص الأموال اللازمة لجميع البني الارتكازية من شوارع وطرقات سريعة وجسور وإنفاق ومطارات ومنشآت ملاحية وشبكات المياه والمجاري كما أن قوي السوق تحديداً هي التي تبعد الشركات عن الاستثمار في المشاريع الضرورية لرفاه المجتمع التي لا يبشر الشركات بالربح .
تلك هي أهم المحاور التي رأيت أن الخصها ولو بشكل مبتسر لاهميتها ولمزيد من آراء وأفكار رالف ميليباند يمكن الرجوع الي كتابه "الاشتراكية لعصر شكاك" .. ان أهم ما يمكن استخلاصه لمقاومة هذا السيل المنهمر من عمليات غسيل الدماغ هو التحلي بروح نقدية والا نتأثر بما يحاول البعض جعله من المسلمات وان نختبر الآراء السائدة بذهن ناقد والا نقبل الا ما يبدو لنا مقنعا علي اسس عقلية وعلمية سليمة . وقد صدق علي حرب حين قال :" ان القراءة المهمة ليست هي التي تقول لنا ما اراد النص قوله بقدر ما تكشف عن ارادة الحجب في الكلام . اي تكشف عما يسكت عنه النص اويتناساه او يستبعده " ....

د.عباس محمد حسن -

No comments: