Monday, December 1, 2008

البيان و التبيين

ولد الفقيه أبو العباس تقي الدين احمد بن تيمية في مدينة حران بسوريا عام 660 للهجرة ، و في السابعة من عمره أغار التتار على المدينة فهاجرت أسرته إلى دمشق حيث استقر بها المقام و كانت الدولة الإسلامية قد تمزقت إلى دويلات يهاجمها التتار ويحلم باحتلالها الصليبيون و العصر مليء بالفساد فالولاة مرتشون و لا يؤدون الأمانة و يبطشون بمن يقاومهم و الجمود يبسط سلطانه على العقول و دور اللهو و الفساد و الخمارات أصبحت أكثر عددا من الناس و ما أكثر ما شاعت البدع و الخروج على السنة فمن الشباب من يرخى الشعر تشبها بالنساء و أكثر الرجال يحللون الحرمات و يمارسون المجون .
في هذا العصر و يا له من عصر جلس ابن تيميه إلى حلقته بالجامع الأموي و هو ابن الحادية و العشرين يلقى دروسه و يستزيد من العلم و يتأمل و يتدبر و يتسلح بكل فقه تركه السلف و يتسلح بدراسة علوم الفلسفة و علم الكلام و أدلة القران و السنة و الصحابة و أتقن حفظ الحديث فبهر طلابه و أهل حلقته بحسن إلقائه و حضور حجته و قوة استدلاله و بلاغته حتى أحبه و أكبره تلاميذه و شهود حلقته فاتسعت حلقته في الجامع على نحو لم يكن يتخيله .
كان يدعوهم جميعا إلى مقاومة ما يشوه حقيقة الدين و إلى الدفاع عن الشريعة و إلى العمل على تطهير المجتمع من الرذائل و إلى الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و إلى العودة بشباب هذه الأمة إلى ما كان عليه الشباب في عصور الإسلام الزاهرة الأولى من فتوة و قوة و نجدة ، فحض الشباب على تقوية أجسادهم و نهاهم عن المبالغة في التزيين و التشبه بالنساء و أثار فيهم الحماسة و قادهم في طرقات دمشق فان صادف في بعض الطريق فتى يرسل شعره كالنساء نصحه بأن يحلقه و بأن يخشوشن فأن أبى الفتى أمر به فجروه إلى أقرب حلاق ليحلق شعره قهرا و سار على رأس الشباب ممن يؤيده ينهى أصحاب الحانات و دور اللهو عن المنكر فأن تابوا دعا لهم بالخير و أن أصروا على ما هم فيه أمر أتباعه فأراقوا الخمر .
ثم مرت عشرون عاما و لم يتغير الناس جميعا بل ذاد المفسدون فسادا و الخائنون خيانة و ذاد صناع البدع و الضلالات ممن يخرجون بالأمة عن نهج السنة و يشغلونها بالأباطيل و كل ذلك و بال يجب الخلاص منه و لكن لننظر كيف كان يتصرف الشيخ الفقيه ابن تيميه : انه لم يجمع تلامذته و يقودهم في الطرقات لتغيير ما كان يراه منكرا بل كان يذهب إلى نائب السلطان في دمشق ليسأله أن يأمر بالكف عما يراه من بدع و منكرات حتى سأله أحد أ صحابه : ( ما بالك اليوم تحملنا علي ألا نغير منكرا بأيدينا ؟ أما كانت جماعتنا منذ عشرين عاما ترهب أهل الفساد ؟ أما كنا نمضي دون إذن من أ حد فنكسر الحانات و نريق الخمور و نكبس البيوت المتخذة للفواحش و نضرب الفساق و نحلق شعور المتشبهين من الرجال بالنساء ظ أما كنا نغير المنكر بأيدينا ؟ ) قال الشيخ ابن تيميه : ( سأجيبك في الحلقة لتعم الفائدة إن شاء الله ) .
و عندما اكتملت له حلقته في الجامع الأموي قال : ( كنا نقاوم المنكر بأيدينا منذ نحو عشرين عاما دونما إذن من ولي الأمر و لكن عندما فتح الله علينا و زادنا علما بفضله تبين لنا أن ما كنا نقوم به ليس هو الشرع , فاعلموا منذ اليوم أن إقامة الحدود و تعزير الخاطئين من ضرب و سجن و جلد خفيف و نحوه و أتلاف المال الحرام .. كل ذلك من عمل ولي الأمر فهو المسئول وحده عن إنزال العقاب و ليس لأحد من الأمة أن يقوم منه بهذا إلا إذا أذن له ولي الأمر . ولي الأمر وحده هو الذي يحق له عقاب أهل الجنايات و قهر الناس علي التزام الجادة و اتباع حكم الشريعة .
أما ما كنا نقوم به منذ عشرين عاما فهو غلط سببه نقص العلم . و قد أوقعنا فيه الغيرة علي السنة و حمية الشباب و الجهل بما للراعي علي الرعية من حقوق فعفا الله عما سلف . ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) . و سكت الشيخ فقال أحد تلاميذه : ( علتنا يا شيخنا أن الرسل صلي الله عليه و سلم قال : " من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و هذا أضعف الأيمان . فهل ترضي لنا أضعف الأيمان ؟ أيكتفي الواحد منا بأن يهتدي و لا يبالي بضلال سواه ؟ " .
و قال رجل اّ خر من رواد الحلقة : " سمعنا منك أنه جاء في الأثر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صعد منبر رسول الله صلي الله عليه و سلم و قال : " أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية و تضعونها في غير موضعها ( عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) وإني سمعت رسول الله صلي الله عليه و سلم يقول : " أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه " . فكيف تأمرنا يا شيخنا إلا نغير المنكر بأيدينا ؟"
و قال ثالث :" أنت الذي علمنا الحديث الشريف ( أن المعصية إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها و لكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة " .
قال الشيخ :" لعن الله تعالي بني إسرائيل لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه .. بل أنا أخرج معكم للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . غير أن هذا يجب ألا يتجاوز ما أمرنا به الشرع. و إلا تجاوزنا حدود الله . ذلك أن ولاية الناس من أعظم واجبات الدين و لا يتم الدين إلا بها . فأن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض و لابد لهم عند الاجتماع من الحاجة إلى رأس حتى قال الرسول صلى الله عليه و سلم : " إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم " و طاعة هذا الأمير واجبة شرعا . و أن الله أوجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و لا يتم ذلك إلا بقوة و أمارة فمن لم يكن من أولي الأمر فليفعل ما يقدر عليه من النصيحة و الخير و هو لا يكلف بما يعجز عنه و علي المسلمين النصح لولي الأمر ".
فقال أحد أصحابه : " ولكن السلف من الحنابلة كانوا يغيرون المنكر بأيديهم و تنطلق جماعتهم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تفعل كما كنا نفعل بأهل المنكر ، أليس أتباع سنتهم و هم السلف الصالح أولي بنا ؟ "
قال الشيخ : " هؤلاء شانوا الحنابلة شينا لا يغسله ماء البحار كما قال أحد الصالحين من شيوخنا . فقد اشتدوا علي الناس باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و صاروا يكبسون الدور فان وجدوا نبيذا أراقوه وأن وجدوا مغنية ضربوها و كسروا آلة الغناء ، و اعترضوا في البيع و الشراء ، و مشي الرجال مع النساء و الصبيان فأن رأوا ذلك سألوه عن التي معه من هي فأخبرهم و إلا ضربوه و حملوه إلى صاحب الشرطة و شهدوا عليه بالفاحشة فأزعجوا بغداد و كره الناس المذهب الحنبلي و سموا أتباعه الأراذل و فيهم أروع الخلق وأتقاهم و أسمحهم ، و اتهموه بالضيق و الغلو و هو أكثر المذاهب تيسيرا علي الناس . وقد أفتي أحد شيوخ المذهب أن واجب ولي الأمر هو الضرب علي أيدي هذه الجماعات من الحنابلة وإلزامهم طاعة ولي الأمر و حبسهم و جلدهم عقابا لهم علي ما ارتكبوه من جنايات و لقد كان صاحب المذهب الأمام أحمد أشد الناس في الحفاظ علي السنة و لكن لم يؤذ أحدا قط بقول أو فعل .
فسأله شاب متحمس :" فإذا قصر ولي الأمر في محاربة البدع و الفساد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر . ألسنا مأمورين بأن ننهض عنه بهذا ؟ "
قال الشيخ :" من ذا الذي يأمرك بهذا يا بني ؟ أن قصر الحاكم أو خرج عن حدود العدالة وواجبات ولي الأمر أصبح حكمه ملكا دنيويا لا خلافة نبوية فهو بإجماع جمهور الفقهاء ملك علي المسلمين و طاعته واجبة . و مثل هذا الحاكم يطاع في العدل و لا يطاع إذا أمر بمعصية فلا طاعة في معصية ".
و عندما انتهي درس الشيخ خرج تلاميذه و رواد حلقته يتعاهدون فيما بينهم علي ألا يزعجوا أحدا باسم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ألا ينازعوا ولي الأمر سلطانه في عقاب أهل المنكر و الفساق و أصحاب البدع و الجنايات …
ألا رحم الله علماءنا الذين كانوا يراجعون أراءهم و أ عمالهم و يجدون من الشجاعة ما يعلنون به رجوعهم إلى الحق حين يظهر لهم و يقولون إن ذلك غلط سببه نقص العلم . !!

No comments: