Monday, December 1, 2008

إعادة قراءة (رأس المال )
مساهمة لويس التوسير في قراءة عصرية للماركسية

الدكتور عباس محمد حسن

جاء الفيلسوف الماركسي الفرنسي التوسير الذي استفاد كثيراً من جرامشي ليقدم رؤيته فيما اسماه إعادة (قراءة رأس المال ) ومقالاته (لماركس) و(لينين والفلسفة) .....الخ ... وليعيد اكتشاف ماركس في شروط تاريخية جديدة وفي ضوء علوم عصره ومعارفه ولقد أخذ التوسير علي عاتقه مهمة البحث عن الماركسية كعلم واستخراجها من ركام الايدولوجيا ومن خلال منهجه ورؤيته المغايرة ولكن بتعصبة لماركس والماركسية العلمية فجسد الماركسية بكيفية جديدة وأولها بشكل مغاير يلبي الشروط التاريخية الجديدة لهذا العصر الجديد ولذلك فقد أثبت التوسير أن النص الماركسي الواحد له قراءات مختلفة متعددة وذلك من خلال تركيزه علي علاقة المعرفة بالمفاهيم (علي حرب) ..
وذلك علي ضوء انفجار النظريات والاكتشافات المهمة بعد الحرب العالمية الثانية والتي شملت النظريات التحليلية الوصفية وتشمل نظريات الوظيفية البنائية .ونظرية الاختيار العقلاني والتفاعلية الرمزية ...الخ وهي جميعها نظريات للفعل الاجتماعي أو الأفراد أو الفاعلين ونظريات البنيوية وهي علي العكس من ذلك تعمم تفسيرات البني الاجتماعية وتنقلها إلي ما يقوم به الفاعلون ثم النظرية النقدية والتأملية وهما ينحوان إلي القيام بما تقوم به نظريات الفعل غير أنهما تحتفظان إلي حد ما بفكرة وجود البناء الاجتماعي مستقلاً عن أفراده أي أنهما قد جمعتا الاتجاهين معاً لكن ليفترقا ثانية (انظر ايان كريب) .. فالتوسير يرى أن كل نظرية علمية تخلق عالمها الخاص بها من (الموضوعات النظرية) وهو يري أن احد المعالم المحددة للعلم هو أنه يخلق عالماً من الموضوعات النظرية يختلف عن ذلك العالم الذي نراه في حياتنا اليومية لكنه عالم يراه العالم في نشاطه العلمي ولكن بالرغم من ذلك فان هذه الموضوعات لها بعض العلاقة بالموضوعات الحقيقة التي لها وجود مستقل في العالم – مستقل سواء عن النظرية أو عن أمكان رؤيتنا نحن لها. أي أن النظرية تحدد بني اجتماعية غير قابلة للملاحظة ولكنها حقيقية وإن طبيعة هذه البني تفسر ما نستطيع ملاحظته . وهنا يثور سؤال وهو: كيف نتحقق من أن نظريتنا صحيحة أو علي الأقل أفضل من غيرها وكيف نتحقق من أننا قد تعرفنا علي بني كامنة حقيقة ، ولما كانت أي نظرية تحقق موضوعاتها النظرية الخاصة بها وهي ما تتملكه البني غير القابلة للملاحظة فإننا لن نتمكن من اختبار النظرية مباشرة انطلاقاً مما يمكننا أن نراه .. أذن ما العمل ؟ هنا يطرح التوسير مشكلة الكيفية التي نعرف بها العلم ، أي كيف نفرق بين ما هو علم وما ليس بعلم ؟ أن العلم لا يقدم لنا حقيقة تامة دفعة واحدة بل يمر بمراحل من التطور أولها : مرحلة التأسيس أي اللحظة التي يخلق فيها (موضوعات نظرية) أما بعد ذلك فهناك معياران يقول التوسير أننا نستطيع بواسطتها التعرف علي ما هو علم ، أوأن نبين أن أحدي النظريات اقرب للعلم من الأخرى : المعيار الأول يدعوه التوسير (انفتاح المنظومة الفكرية) في النظرية أي انفتاح مجموعة المفاهيم التي تشكل قوام النظرية ..فان كانت النظرية تمثل مجموعة من المفاهيم التي تساعدنا علي فهم العالم فانها تعمل علي تمكيننا من اثارة التساؤلات انطلاقا من مفهوماتها – اي تمكننا من طرح المشكلات - أما (المنظومة الفكرية المغلقة) أي غير العلمية أي الأيديولوجية فإنها تثير تساؤلات لكنها تفرض الإجابة مسبقاً .... أما المعيار الثاني لعلمية أي نظرية عند التوسير فيكمن فيما يدعوه عرض المفاهيم في النظرية أي كلما كانت مفاهيم النظرية أكثر ترابطاً من الناحية العقلانية أو المنطقية مع بعضها البعض ، وكانت مفاهيمها معتمدة بعضها البعض بحيث كان من الممكن اشتقاق المفهوم من الآخر كانت تلك النظرية عملية أكثر أي أن التماسك المنطقي أو العقلاني هو أحد السبل التي نحكم بواسطتها علي صحة أي نظرية وهكذا فالنظرية عند التوسير تخلق موضوعاتها النظرية الخاصة بها وهي مع ذلك تمتلك موضوعات حقيقة ولكنها قد تكون غير قابلة للملاحظة (كالبني الاجتماعية الكامنة) ... ويقول التوسير أننا نعثر في ثنايا أعمال ماركس علي الثورة النظرية (أو التي تمثل فتحاً في مبحث المعرفة ) وهي تلك الثورة التي وضعت أساس علم للمجتمع. وإن البنية الفكرية لهذا العلم يمكن العثور عليها في أعمال ماركس الأخيرة وتحديداً "رأس المال" ... ويستخدم التوسير أيضاً مصطلح (الممارسة) ليشير إلي الفعل الإنساني .. ويلعب هذا المصطلح دوراً مهماً في نظريته في أفراغ الفعل الإنساني منذ البداية من تلك الجوانب كالقصد والاختيار . فالممارسة تتضمن ثلاثة عناصر ونموذجها هو الممارسة الاقتصادية أي فعل إنتاج شيء من شيء آخر فهناك المادة الخام فوسائل الإنتاج (وتتضمن قوة العمال والآلات ) وآخرها البضاعة المصنوعة والعنصر الحاسم في الممارسة هو محصلة لقوة العمل ووسائل الإنتاج ، وفيه تكون قوة العمل بمرتبة الوقود لوسائل الإنتاج ، أي أن الفاعل هو ببساطة القوة التي تحرك الأشياء المادية . وتجرى كل واحدة من تلك الممارسات ضمن بني معينة أي ضمن مجموعة من العلاقات المتشكلة حول العناصر الرئيسية للممارسة وهي المواد الخام ووسائل الإنتاج والمنتج النهائي ... والبني التي تجد تلك الممارسات نفسها فيها تتكون من مستويات أساسية من مستويات المجتمع : المستوي الاقتصادي والسياسي الأيدلوجي ويمكن النظر الي كل المجتمعات باعتبارها تتكون من هذه المستويات الثلاثة : وهي تكون معاً "التشكل الاجتماعي" أي بنية البني ... ويلفت التوسير الانتباه إلي كون هذه المستويات الثلاثة تشكل بني وإنها تتباين من حيث تركيب عناصرها المكونة وعلاقاتها بعضها ببعض وإن علينا أن نحرص علي تحليلها ثم يبين أن المستويين السياسي والأيدلوجي ليسا نتاجاً مباشراً لتأثير المستوي الاقتصادي فلكل منهما وجود حقيقي خاص به ويرتبط بالمستويين الآخرين بطرق شتي أو "معقدة" ... وهناك تشبيه معماري مفيد يرجع في الأصل إلي ماركس هو تشبيه يقربنا من فهم رأي التوسير ..





(2)

التشبيه المعماري المفيد الذي يرجع في الأصل الي ماركس ويطرحه كريب لفهم رأي التوسير هو:
اننا لو نظرنا إلي العلاقة القائمة بين الطوابق المكونة لمبني من عدة طوابق فيكون من السخف القول أن الطابق الأرضي هو السبب في وجود الطابق الأول والثاني رغم أنها يقعان فوقه وتربطهما به علاقة تضعهما في وضع الاعتمادية فكل طابق منهما منفصل عن الطابق الذي يقع تحته أو فوقه وما يجري داخل كل طابق ليس محكوماً بما يجري في الطابق الذي يقع أسفله فقد يكون الطابق الأول محلاً تجارياً بينما يكون الثاني مجموعة مكاتب والثالث شقق سكنيه . ومصطلح التوسير لوصف هذه العلاقة أي العلاقة التي يتخللها ترابط سببي دون اعتماد كامل هو (الاستقلال الذاتي النسبي) والمستوي السياسي والأيديولوجي لا يعتمدان اعتماداً كاملاً علي المستوي الاقتصادي ولا هما في نفس الوقت بالمستقلين استقلالاً كاملاً.
ولو اعتبرنا المبني المذكور مشروعاً واحداً فإنه من الواضح أن العمل المكتبي القائم في الطابق الثاني يعتمد علي نوع التجارة القائمة في الطابق الأول ومع ذلك فثمة أساليب عدة يمكن أن ينتظم بها العمل المكتبي وقد تتطور علاقات العمل بطرق لا تتأثر بالنشاط الاقتصادي القائم في الطابق الأسفل ... وهكذا ... إن المستوي الاقتصادي وتطوره كما يري التوسير يحكمهما تناقض قوي الإنتاج وعلاقات الإنتاج – وذلك لأن للقوي الإنتاجية في النظام الرأسمالي قدرة هائلة علي إنتاج الثروة وإن هذه القوي مستمرة في نموها غير أن ما يحد من نموها هو شكل علاقات الإنتاج القائمة علي التملك والحيازة الفردية للثروة . ويفضي هذا التناقض إلي إشاعة حركة في النسق تؤدي فيما تؤدي إلي أزمات دورية: النسق ينتج أكثر من اللازم , والإنتاج ينخفض ، مما يؤدي إلي انتشار البطالة ... وهذا يعني أن العامل المسبب للأزمات هو التناقض القائم في علاقات الإنتاج ويضيف التوسير إلي ذلك أن العوامل المسببة علي المستويات الأخرى يمكن اعتبارها تناقضات أيضاً وإن ما يحدث في الحياة اليومية للمجتمع هو محصلة للطريقة التي تتجمع بها تلك التناقضات في بنية البني الكامنة. وهذه العملية يطلق عليها التوسير (الحتمية المفرطة) ومعناها (أن الكثير يجري هناك) والمحصلة أما أن تكون ثورة أو تغيراً في شكل المجتمع إلي شكل آخر ، أو إن تتجمع التناقضات علي مستويات مختلفة لمساندة بعضها البعض أو لكبح تطورها مما يؤدى إلي حالة من الجمود والانحطاط . ولكن بالرغم من الاستقلال النسبي والتأثير السببي للمستويين السياسي والإيديولوجي إلا أن التوسير يؤكد أن المستوي الاقتصادي يتمتع بشيء من الأولوية في تحديد ما يدور ومن ثم فهم ما يجرى قائلاً ومقتبساً من انجلز : ( أن العامل الاقتصادي هو العامل الحاسم في المستوي الأخير) غير أن التوسير أضاف إليها (أن التناقض الاقتصادي هو التناقض الأهم بيد أنه لا يظهر بشكل خالص أبداً بل يظهر دائماً وقد اكتسي بتناقضات أخري) ثم يمضى التوسير في تحليلاته إلي أن يشير إلي أن هناك خمسة عناصر تنتمي لوسائل الإنتاج هي " مواد خام / وسائل إنتاج بما فيها قوة العمل / البضاعة أو المنتج النهائي / العامل / غير العامل أي المالك ) كما أن لدينا علاقتين تنتميان إلي علاقات الإنتاج هما : علاقة الملكية / علاقة السيطرة ) والطريقة التي تلتقي بها هذه العناصر مع هذين النمطين من العلاقات يساعدنا في التمييز بين أنماط المجتمع سواء أكان ذلك النمط الإقطاعية أم الرأسمالية أم نمط الإنتاج الانتقالي أم الاشتراكية الخ .... ثم ينتقل التوسير للنظر في الآلية السببية التي دخلت ضمن إطار العلاقات الاقتصادية التي أفرزتها تلك الأنماط وكيف تؤثر تلك الآلية في العلاقة بين المستويات الاقتصادية والسياسية والأيدلوجية .... ويمكن القول بأن التو سير قدم مفهوماً للبنية الاجتماعية يعتبر من انضج ما هو مطروح وذلك بإعادة قراءة الماركسية علي ضوء تطورات العصر وهو ما تنادي به الماركسية دائماً... فمفهومه حول البنية الاجتماعية الكامنة ومفهومه حول الأوضاع الخ مهم للغاية إذ أن الوضع الاجتماعي هو الحالة التي انا عليها سواء أكنت واعياً بذلك أم لا .. وهذا الوضع يحد أي يضيق من نطاق أفعالي وهو شيء لا استطيع تغييره بنفسي أو ربما حتى بواسطة الجماعة ...ويقول (أيان كريب) : من المفارقات أن يكون ذلك الفيلسوف الماركسي لويس التوسير المهتم بتجديد أو إعادة قراءة الماركسية هو الفيلسوف نفسه الذي فتح باباً لتطوير نظريات ما بعد الحداثة وخاصة مقولته في أن النظرية تخلق موضوعاتها الخاصة بها وعالمها الخاص بها والتي تحولت عند أصحاب ما بعد الحداثة إلي أن اللغة تصنع موضوعاتها الخاصة بها ثم تطورت تلك الفكرة إلي نظرية في المعاني .. كما تكمن المفارقة في حين أن الماركسية كثيراً ما تتهم بأنها تقدم تفسيرات أحادية فإن التوسير يقدم الإمكانية لإعطاء تفسيرات تستند إلي أسباب متعددة وفقاً لترتيب الأسباب بناء علي أولوياتها ضمن مجموعة العمليات السببية التي تتجاوز مجرد وصف ما يحدث ..
وهكذا تقدم الماركسية (وباجتهادات فلاسفتها المتعددين علي مر العصور) مفهوما يعتبر من انضج ما هو مطروح لدراسة وتفسير البنية الاجتماعية وعلي الماركسيين أن يواصلوا ذلك الاجتهاد وان يطبقوا مقولة انجلز (علي المادية بالضرورة أن تكتسب صورة جديدة مع كل اكتشاف هام ، بادي الأثر في تاريخ العلوم ) وأن يستوعبوا جميع النظريات المعاصرة وتطورات العلم والتكنولوجيا الحديثة لاستخلاص أهم النتائج الفلسفية الجوهرية لإكساب المادية صورتها الجديدة
المراجع :
أيان كريب (النظرية الاجتماعية) ..ور. جارودي في (نحو فكر نقدي) ..وجاك يكسية في (غرا مشي : دراسة ومختارات)


الدكتور عباس محمد حسن

No comments: